الثلاثاء، 14 مايو 2013

التربية والتعليم وأثرها على المنظومة الاقتصادية





* بحث خاص - محمد ابو سليم

مقدمة :

اقتصاديات التعليم (economics of education)او اقتصاد التعليم او اقتصاد التربية والتعليم فرع من فروع علم الاقتصاد يبحث في الجوانب الاقتصادية للعملية التربوية بما تتضمنه من تعليم وتدريب في جميع المراحل ومنها تعليم الكبار وتدريبهم ,كذلك تدريب العاملين في اثناء الخدمة والقوى البشرية المتعطلة والباحثة عن عمل. ويهتم اقتصاد التعليم بتكاليف التعليم ومردوده والعلاقة بين النفقة والمنفعة , سواء على مستوى الفرد او على المستوى الوطني.

ومع أن الناحية الاقتصادية للتربية والتعليم كان لها شأن في إعداد الأهل أبناءهم للقيام بالأعمال التي كانوا يزاولونها ويتوارثونها فإن هذه الناحية لم تكن موضوعاً لبحث علمي منفصل.

 ثم جاءت كتابات عدد من أنصار المدرسة التقليدية (الكلاسيكية) تؤكد دور التعليم والتدريب والتخصص في العمل في زيادة الإنتاجية أو تحقيق النمو.

وفي النصف الأول من القرن العشرين برزت في كتابات الاقتصادي الفرنسي جان فوراستيه Jean Fourastié والاقتصادي السوفييتي ستروميلن Strumilin العلاقة بين مستوى تعليم القوة العاملة وإنتاجيتها، إضافة إلى العلاقة بين تكاليف التعليم ومردوده. وفي الستينات من القرن العشرين برز الاهتمام باقتصاديات التربية والتعليم على أيدي عدد كبير من الاقتصاديين في أوربة والولايات المتحدة مما مهد لظهور فرع جديد في العلوم الاقتصادية يتناول، بمنهج علمي، دراسة العلاقة بين تكاليف التعليم والإنفاق عليه من جهة والمردود الذي يترتب عليه، على مستوى دخل الفرد المتلقي للتعليم وكذلك على الدخل القومي، من جهة أخرى.

 وهكذا بدأت الاتجاهات الجديدة في علم الاقتصاد تتناول دور التعليم في تكوين الدخل ودور الاستثمارات في التربية في تكوين رأس المال البشري إضافة إلى تصنيف الإنفاق على التربية بين الإنتاجي والاستهلاكي، والعلاقة بين الإنفاق على التعليم وإنتاجيته.

 ولقد توسع بعض الاقتصاديين في ضرورة تخطيط التعليم وربطه بتأهيل القوة العاملة اللازمة للاقتصاد الوطني وتكييف بنية التعليم ومضمون المناهج مع متطلبات الاقتصاد.

التعليم والاقتصاد:

ما كان ليظهر فرع خاص باقتصاديات التعليم لولا العلاقة المتينة بين الاقتصاد والتعليم، فمن جهة يسهم مستوى التعليم في تحديد مستوى إنتاجية العمل ومن ثم في مستوى النمو الاقتصادي، ومن جهة أخرى يتحدد مستوى الإنفاق على التعليم، ومن ثم مستوى التعليم ذاته، بمستوى التطور الاقتصادي في البلد المعني.

ومن الملاحظ أن مستوى التعليم في الدول المتقدمة الغنية أعلى من مثيله في الدول النامية والسبب الرئيس في ذلك يرجع إلى المخصصات التي توفرها البلدان المتقدمة للإنفاق على التعليم. من ناحية أخرى يوفر النظام التعليمي إعداد القوى العاملة كمياً وكيفياً. فتجد المؤسسات الاقتصادية حاجتها من العاملين في سوق العمل.

 وتعد درجة المواءمة بين مخرجات نظام التعليم وحاجات الاقتصاد الوطني من اليد العاملة أحد معايير مستوى تطور النظام التعليمي، يضاف إلى ذلك التشابه الكبير بين القطاع التربوي والقطاع الاقتصادي فكلاهما يشتمل على عمليات إنتاجية واستهلاكية.

 فالتعليم في جزء منه عملية إنتاجية يشترك فيها المعلمون والطلبة والإدارة والمناهج والتقنيات ورؤوس الأموال لإنتاج مخرجات من المعارف والمهارات يحصل عليها الخريجون لتوظيفها في الأعمال الاقتصادية والحصول منها على دخل معين، كما أنه في جزء آخر منه عملية استهلاكية تتضمن تلبية حاجة المتعلمين إلى التعلم والمعرفة.

وهكذا يجري تحليل العملية التربوية تحليلاً اقتصادياً من حيث المدخلات والمخرجات والعائد المترتب عليها إضافة إلى الحاجة التي تشبعها.

الإنفاق على التعليم والمردود :

التعليم عملية مكلفة تحتاج إلى أموال كثيرة لبناء المدارس والمعاهد والجامعات وتجهيزها، كما تحتاج إلى أجور المعلمين والإداريين، إضافة إلى أنها تتطلب اقتطاع زمن كبير من أعمار الطلبة والمتدربين يمضونه في التعليم بدلاً من صرفه في مجال الإنتاج مما يعد فرصة ضائعة يجب أخذها بالحسبان عند حساب تكاليف التعليم، وهو ما سماه شولتز «الكسب الضائع».

فإذا كان التعليمان الابتدائي والمتوسط ضروريين لتوفير القاعدة الثقافية المقبولة للمواطنين، ويمكن عدهما من الخدمات الاجتماعية المطلوب توفيرها للمواطنين ويتم في سنوات العمر الباكرة قبل أن يدخل الشخص مجال الإنتاج، فإن التعليمين الثانوي والجامعي يعدان اقتطاعاً من وقت الإنتاج من جهة وأداة لزيادة التأهيل وكسب الخبرات من جهة ثانية.

 لهذا كله تحسب تكاليف التعليم على أنها مجموع الإنفاق الذي يصرف على التعليم ومؤسساته مضافاً إليها تكلفة الفرصة الضائعة على الأقل في مراحل التعليم الثانوية والجامعية وما بعد الجامعية.

ويتناول اقتصاد التعليم حساب تكاليف التعليم الإجمالية وحساب تكلفة الوحدة التعليمية، مثل الفرع الدراسي أو المرحلة أو الصف أو الشعبة وأحياناً تحسب تكلفة الفرد الواحد في المرحلة الواحدة أو طوال مدة الدراسة، كما يتناول اقتصاد التعليم البحث في أساليب تمويل التعليم، ومصادره وأعباء التعليم وتوزيعها بين الحكومة والمؤسسات العامة والخاصة وكذلك بين الآباء والطلبة.

 والهدف من دراسة تكاليف التعليم وتمويله وتوزيع أعبائه هو تحديد مردود التعليم على الفرد وعلى الاقتصاد الوطني، وكذلك توزيع أعبائه بين المواطنين المستفيدين من خدمات التعليم ومن مخرجاته لزيادة دخولهم والحكومة، إذ ينعكس التعليم إيجابياً على نمو الاقتصاد الوطني وعلى إيرادات الحكومة نتيجة لذلك.

فللإنفاق في مجال التعليم مردود يتجلى زيادة في النمو الاقتصادي في فروع الاقتصاد الوطني وأنشطته وزيادة في دخل المتعلمين أنفسهم نتيجة ارتفاع إنتاجية عملهم.

يهتم اقتصاد التعليم بدراسة العائدات الاقتصادية المتمثلة في زيادة الدخل القومي والدخل الفردي والمرتبطة بالتعليم والناتجة عنه. ولما كان كل من الدخلين يتأثر بعوامل أخرى غير التعليم فإن عائدات التعليم تنحصر في ذلك الجزء من الدخل الذي يرجع أصلاً إلى تأثير التعليم والتدريب فقط.

ويقترح العلماء طرائق مختلفة لتحديد هذا الجزء، مثل طريقة الارتباط بين مدخلات نظام التعليم، وخاصة تكاليف التعليم، والدخل القومي أو الفردي الناتج عن ذلك، أو طريقة البواقي التي تقوم على تحديد إسهام كل من عوامل الإنتاج الأساسية في الناتج وترجع الباقي إلى التعليم.

ويضاف إلى ذلك أن هناك طريقة مباشرة توازن بين تكاليف تعليم فرد واحد أو مجموعة من الأفراد، والدخل الذي يحصل عليه أو يحصلون عليه جراء هذا التعليم.

ولا يجوز خارج دائرة هذه الحسابات، إهمال أثر التعليم في رفع المستوى الثقافي وزيادة الخبرة وتوسيع أفق المتعلمين، مما يؤدي إلى تحسين فرص الرخاء ورفع مستوى المعيشة وتخفيض معدلات الجريمة، وكذلك رفع مستوى الانضباط والتقيد بسيادة القانون وتنمية حس الانتماء الوطني والقومي والإنساني.

غير أن اقتصاد التعليم يولي اهتماماً أكبر للعلاقة بين تكاليف التعليم ومردوده، وكل الأبحاث على اختلاف النتائج التي تتوصل إليها، تؤكد أن للإنفاق على التعليم مردوداً عالياً ولقد أكدت دراسة ستروميلن أن تكاليف التعليم في الاتحاد السوفييتي السابق تسترد في غضون السنوات السبع الأولى من عمل العمال المؤهلين بسبب زيادة إنتاجيتهم ودخلهم الفردي، وتبقى أجور سنوات الخدمة الثلاثين التالية ربحاً صافياً.

 كما توصل كل من والش  Walsh وبساكاروبولس Psacharopoulus وودهول Woodhall إلى نتائج مماثلة حول درجة الارتباط العالية بين مستوى التعليم والدخل الفردي. وتنشر منظمة اليونيسكو دراسات كثيرة حول المضمون نفسه.

وتقدم هذه الدراسات نتائج مهمة في مجال الموازنة بين نتائج الاستثمار في كل من رأس المال البشري ورأس المال المادي وترتيب الأولويات بين فروع التعليم المختلفة ومراحله بحسب عائداتها الاقتصادية والاجتماعية.

التعليم والنمو الاقتصادي:

بدأ الاهتمام بدراسة العلاقة بين التعليم والنمو الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة بعد أن اتضح عدم إمكانية رد كامل الناتج إلى عوامل الإنتاج المادية من عمل ورأس مال، بحسب النماذج الاقتصادية الرياضية، فعُدَّ التعليم من بين العوامل الأخرى التي تسهم في النمو وأدمجت كلها تحت اسم العامل المتبقي residual factor.

واتجهت معظم الدراسات إلى تحري تأثير التعليم في تحقيق الزيادة في الناتج القومي مستخدمة في ذلك أساليب المعالجة الإحصائية مثل حساب الارتباط بين زيادة الإنفاق على التعليم أو زيادة عدد سنوات الدراسة، أو حصول القوى العاملة على تعليم إضافي أو تحسين المستوى التعليمي للعمال من جهة، وزيادة إنتاجية العاملين المتعلمين من جهة أخرى.

 كما استخدمت أساليب التحليل العاملي Factorial للتوصل إلى حساب دور كل من عوامل الإنتاج، إضافة إلى حساب دور المستوى التقني للآلات وأداء العمال ومهاراتهم ومستوى تعليمهم أو تدريبهم في توليد الدخل وتحقيق النمو. وقد توصلت معظم الدراسات إلى إثبات إسهام التعليم في النمو الاقتصادي إلا أن الشكوك بقيت قائمة حول دقة نتائج هذه الدراسات.

وتبين من الدراسة التي أجراها دنيسون للنمو الاقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات 1909 - 1929 و1929 - 1957 أن نحو 10% من النمو الاقتصادي في المدة بين 1909و1929 يرجع إلى تحسن مستوى التعليم سواء في زيادة عدد سنوات الدراسة أو زيادة أيام الدراسة، وأن نحو 21% من النمو الحاصل في المدة من 1929 إلى 1957 يرجع إلى تأثير التعليم أيضاً.

 كما قام دنيسون أيضاً بدراسة دور التعليم في زيادة النمو في أوروبا في السنوات 1950 - 1962، وتوصل إلى إرجاع 5% إلى 15% من النمو إلى تأثير التعليم. في حين أرجعت دراسة قام بها شولتز 20% من النمو الاقتصادي الحاصل في المدة من 1929 إلى 1957 في الولايات المتحدة الأمريكية إلى تحسن مستوى التعليم.

 وهناك دراسات متعددة توصلت إلى نتائج مشابهة، ولكن ثمة دراسات أجريت على البلدان النامية توصلت إلى أن دور التعليم في النمو الاقتصادي كان ثانوياً، واتجهت بعض الكتابات والدراسات إلى نفي أي دور للتعليم في التنمية الاقتصادية، وعلى العكس من ذلك فقد وجدت بعض الدراسات أن الإنفاق الكثيف على التعليم قد يسهم في الإبقاء على التخلف الاقتصادي والاجتماعي، وهي ترد ذلك الخطأ الذي تقع فيه نظم التعليم عندما تتوسع في التعليم الثانوي والعالي.

 فتخرج إلى أسواق العمل أعداداً من القوى العاملة تزيد على حاجة هذه الأسواق من اختصاصات محددة أو من الاختصاصات التي لاتتلاءم مع حاجات الاقتصاد أصلاً.

ولكن قناعات الاقتصاديين وعلماء التربية المهتمين بهذا الموضوع بقيت راسخة بأن التعليم يسهم في النمو الاقتصادي وبأن تأثيره يزداد بزيادة مواءمته لحاجات الاقتصاد من مخرجات النظام التعليمي من متخرجين ومتدربين وأطر وكفايات.

إضافة إلى التركيز على تقصي تأثير التعليم في المظاهر النوعية للتنمية الاقتصادية وخاصة في المجالات الصحية والثقافية والسكانية إلى جانب الآثار الاقتصادية وضرورة الأخذ بنظم الأولويات في تخطيط التعليم لتعطي الأولوية الأولى للتعليم الابتدائي بسبب ارتفاع عائداته الاقتصادية والاجتماعية.

التعليم وإعداد القوى العاملة:

إن من الوظائف الرئيسة للتعليم إعداد القوى العاملة إعداداً يتلاءم مع حاجات المجتمع والاقتصاد الوطني. والقوى العاملة المتعلمة المؤهلة تعد عاملاً رئيسياً من عوامل الإنتاج، ويفترض أن تكون ذات إنتاجية أعلى من القوى غير المتعلمة لذا يُعد التعليم أداة في زيادة الإنتاج ورفع الإنتاجية.

غير أن مردود التعليم يتوقف على حسن مواءمته حاجات الاقتصاد الوطني، لهذا كان تخطيط التعليم وتنظيمه أحد أهم الجوانب التي يهتم بها اقتصاد التعليم، إلى جانب الاستمرار في التعليم والتدريب في أثناء الخدمة لتحسين مهارات العمال وتجديد معارفهم ومهاراتهم وإعادة تأهيلهم بما يتوافق مع ما استجد في مجالات المعرفة والتقنية والاقتصاد.

يذكر شولتز أن الوظائف الرئيسة الخمس للتعليم هي: تزويد الأفراد بالمعارف والمهارات التي يحتاج إليها الاقتصاد الوطني، وزيادة قدرة الأفراد على التكيف مع شروط العمل، وكشف مواهب الأفراد وتنميتها، والإعداد لمهنة التدريس، والقيام بالبحوث العلمية، ويضيف أن لهذه الوظائف قيمة اقتصادية كبيرة.

ومنذ الخمسينات، وخاصة بعد الثورة الصناعية الثانية، برز الاهتمام بإعداد القوى العاملة في مؤسسات التعليم، لأن هذا الإعداد يعد استثماراً جيداً ومربحاً، ويوفر للقطاعات الاقتصادية حاجاتها من القوى العاملة، ويمكنها من تطوير إنتاجها وزيادته.

والمشكلة الرئيسية التي تواجه إعداد القوى العاملة تكمن في عدم المواءمة بين مخرجات العملية التعليمية واحتياجات سوق العمل. وقد بينت الدراسات التقويمية، التي أجريت لأنظمة التعليم في الدول المتقدمة وفي الدول النامية، وجود نواقص في المعلومات عن حاجة الاقتصاد الوطني من القوى العاملة، مما جعل هذه الأنظمة غير متناسبة مع حاجات المجتمع.

حتى في الدول الاشتراكية السابقة كانت خطط التعليم تستند إلى التوقعات المحسوبة من القوى العاملة التي تحتاج إليها القطاعات المختلفة، غير أن بنية الاقتصاد الوطني لم تكن تتطور على نحو يمكنها من استخدام معارف الخريجين ومهاراتهم بكفاية عالية مما أحدث فجوة بين تخطيط التعليم والإنفاق عليه والاستفادة من مخرجاته ومردوده.

أو بعبارة أخرى فإن تنظيم مردود الإنفاق على التعليم لايقوم على حسن بناء النظم التعليمية فحسب بل يقتضي تعاون النظام الاقتصادي ونظم الاستخدام ليوفر ذلك كله لمخططي العملية التعليمية المعلومات الدقيقة عن الحاجات المستقبلية من القوى العاملة.

يرى بعض الباحثين أن التوسع التعليمي في الدول النامية وخاصة في الدراسات الجامعية والعليا قد أدى إلى وجود فائض في الخريجين عن حاجة سوق العمل، وإلى وقوع قسم كبير منهم في البطالة المقنَّعة عند توظيف أعداد منهم أكثر من الحاجة أو البطالة الظاهرة عند عدم استيعابهم في القطاعات الاقتصادية والإدارية.

ومع هذا فإن دور التعليم في إعداد القوى العاملة لا يمكن أن يتقلص، بل لا بد من بذل جهود مكثفة لتطوير تخطيط التعليم وأنظمته وأنظمة التدريب لتغدو أكثر كفاية في تحقيق مهمتها في إعداد الأطر المؤهلة لتلبية احتياجات الاقتصاد الوطني.

التعليم وتكوين رأس المال البشري  :

إن إسهام القوى البشرية في عمليات الإنتاج والدور الذي تقوم به في هذه العمليات والمعارف والمهارات التي اكتسبتها القوى العاملة عن طريق التعليم، دفع إلى عد القوى البشرية المتعلمة رأس مال ذا قيمة إنتاجية توازي رأس المال المادي المتمثل في الأدوات والتجهيزات المستخدمة في عمليات الإنتاج. يهتم اقتصاد التعليم بإجراء الدراسات حول تأثير رأس المال البشري في الإنتاج وذلك بموازنته برأس المال المادي.

وتتوصل هذه الدراسات إلى نتائج تؤكد الدور المتزايد لرأس المال البشري في زيادة الإنتاج وإن كانت مختلفة فيما بينها .

وقد يظهر أحياناً مردود رأس المال البشري معادلاً لرأس المال المادي، أو أكبر منه أو أقل بحسب الدراسة، ولكن كل هذه الدراسات تؤكد إسهام رأس المال البشري إلى جانب رأس المال المادي في الإنتاج وتحقيق النمو الاقتصادي.

ومع أن رأس المال البشري يتكون نتيجة إنفاق متراكم للأموال لتكوين قوة العمل فإنه مع هذا يتميز من رأس المال المادي من وجوه متعددة فمن جهة يتمثل رأس المال البشري في الإنسان الذي هو مزيج من مادة ومشاعر وعواطف، ويختلف التعامل معه عن التعامل مع رأس المال المادي، ومن جهة أخرى فإن رأس المال البشري إذا ما قورن برأس المال المادي يكون أكثر دواماً، فهو لا يهتلك بالاستعمال كالآلات والسلع المنتجة الأخرى فيفقد مع الاستعمال جزءاً من طاقته الإنتاجية، وإنما يزداد نمواً وقدرة على الإنتاج.

 فالمعارف التي يكتسبها المتعلم تزداد جودة بالاستعمال والخبرة وتزداد بعدئذ كفايتها الإنتاجية.

الاستثمار في التعليم:

في ضوء الدراسات حول مردود التعليم عُدت التربية صناعة مربحة تزيد عائداتها الاقتصادية والاجتماعية زيادة كبيرة على تكاليفها، وهذا ما دعا اقتصادي التعليم إلى تنظيم استثماره ليعطي أفضل مردود.

 وقد نشطت هذه الدعوة في الستينات وكانت وراء التوسع في الإنفاق على التعليم، بغض النظر عن النتائج السلبية التي تمثلت في تخريج أفواج من قوة العمل المتعلمة تتجاوز حاجة سوق العمل.

 وقد عارض بعض الدارسين النظرة الاستثمارية للتعليم لأنهم يرون في التعليم عملية إنسانية وظيفتها تكوين القيم الروحية والثقافية، وهم يَعُدون تقويمها من وجهة نظر اقتصادية انحرافاً بها عن دورها الأساسي وحطاً من قدرها.

غير أن هذه المعارضة لم تلق قبولاً واسعاً، ذلك أن دور العملية التعليمية في تكوين القيم الثقافية لا يتعارض مع دورها في تكوين القيم الاقتصادية، بل يؤكد هذا الدور من حيث الإعداد للعمل الاقتصادي الذي يرفع الإنتاج القومي، ويزيد الدخل الفردي، ويزيد من أوقات الفراغ التي يمكن توجيهها لكسب المزيد من القيم الثقافية والروحية.

والاهتمام بالاستثمار في التعليم وترشيده ضروريان لمعالجة مشكلات مهمة، كالإنفاق على التعليم وكيفية توزيع النفقات على البرامج التعليمية للحصول على أعلى مردود منها بعد أن ارتفعت نسبة الإنفاق على التعليم وتجاوزت في بعض البلدان مثيلتها في تكوين رؤوس الأموال المادية.

وإذا لم تتم الاستفادة من الأموال المستثمرة في التعليم لزيادة المردود الاقتصادي فقد تتأثر عملية النمو الاقتصادي سلباً في هذه البلدان.

كفاية التعليم  :

تهتم الكتابات والبحوث المتعلقة بكفاية التعليم بالعلاقة بين مدخلات النظام التعليمي ومخرجاته، كما تهتم بالاستخدام الرشيد للمدخلات للحصول على أفضل المخرجات.

ويواجه قياس كفاية التعليم مشكلة كبيرة تتمثل في تنوّع مدخلات النظام التعليمي من الأوقات التي ينفقها المعلمون والطلاب إلى المنشآت والأدوات والكتب والقرطاسية وغيرها. فيكون القياس المادي النقدي الشكل الوحيد الممكن لكمية المدخلات.

كما يواجه أيضاً مشكلة تعدد المخرجات من المعارف والمهارات التي يكتسبها المتعلمون سواء نجحوا أو رسبوا في صفوفهم، إضافة إلى المخرجات غير المباشرة التي تتجلى في زيادة إنتاجية عمل المتعلمين وأثر ذلك في زيادة الدخل القومي والفردي.

 إضافة إلى تأثير المتعلمين في الحياة الاجتماعية ولهذا تتنوع مقاييس كفاية التعليم، فبعضهم يعتمد الكفاية التقنية التي تقاس بالعلاقة بين كم المدخلات و تنظيمها التقني وكم المخرجات، فالنظام التعليمي الكفئ تقنياً هو الذي يحسن تنظيم مدخلاته من المعلمين وساعات التدريس والصفوف وسوى ذلك، ويستخدمها ليصل بها إلى عدد أكبر من المخرجات المطلوبة.

والآخر يعتمد الكفاية الاقتصادية التي تقاس بالعلاقة بين تكلفة التعليم ومردوده فتكون العملية التربوية أكثر كفاية إذا تمكنت من إنتاج مخرجات محددة بتكلفة أقل.

وهكذا فقد يكون نظام تعليمي كفياً من الناحية التقنية وغير كفي من الناحية الاقتصادية إذا كانت النفقات أكثر مما يجب، وقد يكون الأمر عكس ذلك. ويجري التفريق بين الكفاية الداخلية التي تعني الإنتاجية المباشرة للنظام التعليمي وتتمثل بمعدلات النجاح والرسوب والتخرج، والكفاية الخارجية التي تعني قدرة النظام التعليمي على تخريج متعلمين مؤهلين ومناسبين عددياً لتلبية حاجة المجتمع من القوى العاملة ومجهزين بالمعارف اللازمة لمزاولة المهام التي أعدوا لها.

والكفاية يمكن أن تقاس على مستوى النظام التعليمي بمجمله وعلى مستوى البلد بكامله، أو تقاس على مستوى النظام التربوي في إحدى المراحل التعليمية أو إحدى المؤسسات التعليمية مثل مدرسة أو جامعة معينة.

وفي الواقع إن قياس كفاية التعليم تواجه مشكلة قياس المخرجات التي يصعب تحديدها، وتستخدم أدوات غير موثوقة مثل الامتحانات واختبارات الأداء وإنتاجية المتعلم في عمله أو الدخل الذي يحصل عليه أو غير ذلك، ولكنها أمور يصعب قياسها بدقة، مما يجعل قياس كفاية التعليم مسألة خلافية بين الباحثين.

وغالباً ما يلجأ إلى القياس النوعي من دون الكمي بحيث يؤخذ ببعض الدلالات للحكم على الكفاية مثل نجاح الخريجين في أعمالهم أو كثافة البحوث العلمية أو غيرها.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق